عبد الوهاب الشعراني

13

القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية

مصنّفاته بين الاختصار والشرح والاستدراك والتّجديد « 1 » . وفي هذه المرحلة صار له زاوية خاصّة يذكر فيها اللّه تقدّست أسماؤه ، ومن النّعم التي أتى عليها في مصنّفه " لطائف المنن " كون تلكم الزّاوية مركزا للذّكر والمذاكرة في اللّيل والنّهار ، فكان القرآن الكريم يتلى فيها آناء اللّيل وأطراف النّهار على التّواصل ، فلا يكاد ينتهي قارئ إلّا ويبتدئ آخر ، وكذلك لا يفرغ قارئ الحديث ، أو الفقه ، أو التصوّف من كتاب إلّا ويبتدئ قارئ في كتاب آخر « 2 » . ولعلّ أجلى ما يميّز هذه المرحلة وقفته في وجه أدعياء التّصوّف والسّلوك ، وقد بدا هذا جليّا في مظهرين : أوّلهما تأليفه مصنّفا خاصّا بهذا الملحظ ، وقد عقد له عنوانا دالّا على ما اشتمل عليه من مضمونات ، فسمّاه " موازين القاصرين من الرّجال " ، وقد أتى على جملة منهم ثمّ . وثاني ذينك المظهرين إلماحاته المتفرّقة في ثنايا مصنّفاته إلى هذه الظّاهرة التي هي من الشّيطان ووساوسه ، فقد صار أهل هذا النّهج السّقيم ، والبصر الكليل ، عيالا على غيرهم ، أدعياء متطفّلين على هذه المائدة ، ومن ذلك حديثه عن لعب الشّيطان بجماعة كثيرة " يدّعون التّصوّف والسّلوك ، فأتلفوا ما بأيديهم وأيدي أصحابهم من الأموال ، وصاروا كلّهم فقراء من الدّنيا يأكلون بدينهم وصلاحهم ومجالسهم في الذّكر خبزا وطعاما وثيابا ، فكان الذي يأكل بالطّبل والمزمار أحسن حالا منهم " « 3 » . وقد شخّص الشّعرانيّ هذه الظّاهرة تشخيص العارف بنفوسهم وبما يعتمل فيها ، ولعلّ الباب الذي دخل عليهم إبليس منه إنّما هو الغرور والظّنّ بأنّهم ممّن يحسنون صنعا ، وكأنّه قد وسوس لهم فقال : " إنّكم اشتهرتم بالصّلاح والزّهد في الدّنيا ، وما بقي أحد يظنّ فيكم إلّا الصّلاح ، . . . " ، ثمّ وسوس للنّصّابين ، وقال : قولوا لهم : نحن نعلّمكم صنعة تنفقون وتوسعون منها على أنفسكم وجماعتكم ، فلمّا خدعهم بذلك أطاعوه ، . . . ، وأين دعوى هؤلاء الصّلاح وهم يخافون من الخلق أكثر ممّا يخافون من اللّه عزّ وجلّ ،

--> ( 1 ) للوقوف على بعض مصنفاته انظر كتابه : لطائف المنن ، 72 - 73 ، والمناوي ، الكواكب الدرية ، 3 / 394 - 395 ، وابن العماد ، شذرات الذهب ، 8 / 372 - 373 ، وبروكلمان ، تاريخ الأدب العربي ، 12 - 13 / 255 ، وقد ورد لكثير منها ذكر في مخطوط " نسب الشعراني " . ( 2 ) انظر : الشعراني ، لطائف المنن ، 30 . ( 3 ) انظر : الشعراني ، لطائف المنن ، 94 .